الاثنين، 5 سبتمبر 2011

عن كنتاكي والقلة المندسة والمطالب الفئوية (تدوينة قديمة قد تصلح ليومنا هذا)

تم تأليف هذه التدوينة في 17 فبراير 2011


امتلأت وسائل الإعلام والنقاشات الجانبية بأحاديث عن المطالب الفئوية وطوفان الإضرابات العمالية التي تجتاح مصر الآن وتأثيرها السلبي على الاقتصاد. وفي الواقع يتم الآن ترويج وترسيخ معلومة مفادها أن هذه المطالب ضيقة الأفق تعيق عجلة الاقتصاد وبناء دولة ما بعد الثورة في مصر. ولكن بقليل من التدقيق في هذا الخطاب الإعلامي السائد، وللأسف الذي أصبح يقبل رواجاً كبيراً، نجد أنه تكرار ممنهج لآليات لي الحقائق وتزييفها بهدف إدانة ما يسمى "المطالب الفئوية".


إذا نظرنا إلى أحد الأمثلة الفاضحة لهذا الخطاب يمكن أن نطالع اليوم 17 فبراير 2011 أحد أخبار الصفحة الأولى لجريدة "الأهرام" اللولبية التي أصبحت في أقل من 24 ساعة ناطقاً رسمياً باسم الثورة. هذا الخبر يأتي بالعنوان التالي بالبنط العريض: " عمال المحلة يضربون عن العمل لزيادة الأجور".


وكما يمكن لأي منا ممن يمرون سريعاً بالعناوين الرئيسية فهم الخبر بأن عمال المحلة يستغلون الأحداث الجارية ويطالبون بزيادة للأجور في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، فإن التدقيق في تفاصيل الخبر والمنشور لسخرية القدر أسفل هذا العنوان المثير تكشف نوعية مختلفة تماماً من الحقائق والمطالبات وهي حرفياً كالتالي:
  • "قرر مجلس إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج اعتبار شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري في اجازة حتي يوم السبت القادم لبحث الأسباب التي أدت إلي احتجاجات العمال" (لاحظ أن مجلس الإدارة هو من قرر إيقاف العمل وليس العمال)
  • "عمال الوردية الأولي وعدد من زملائهم بالوردية الليلية بشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبري نظموا وقفة احتجاجية أمس طالبوا فيها بتحسين أوضاعهم" (لاحظ أنها وقفة احتجاجية وليست إضراب عن العمل)
وقد طالب العمال بمجموعة من المطالب و أهمها كما يذكر الخبر:
  • "إقالة المهندس محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج والمهندس فؤاد عبد العليم المفوض العام لشركة مصر للغزل والنسيج للخسائر التي لحقت بالشركة خلال الفترة الأخيرة وقدرها ‏150‏ مليون جنيه"
  • "إقالة المستشارين الذين يتقاضون رواتب ومكافآت دون عمل حقيقي"
  • "تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا برفع الحد الأدنى للأجور" (هذا الحد هو 400 جنيه في الشهر)
  • "إعطاء الفرصة في المناصب القيادية للشباب"
  • "تشكيل مجلس إدارة جديد معين لتسيير أعمال الشركة لحين انتخاب مجلس جديد ولجنة نقابية"
هل يمكن بالله عليكم اختزال كل تلك المطالب الإصلاحية في هذا العنوان المبتسر؟


العمال لم يطالبوا بزيادة الأجور، ولكن بإصلاح حقيقي طرحوا من خلاله بدائل واقعية لتسيير العمل وتطبيق حكم قضائي قاطع من المحكمة الدستورية العليا أقصى مطامحه أن يتمكن عامل يعول أسرة من زوجة وطفلين أن يعيش الفرد فيها على 3 جنيهات في اليوم الواحد، ومع ذلك امتنعت حكومتنا الرشيدة عن تطبيقه في مخالفة صارخة للدستور.


في رأيي الشخصي أن الخطاب الإعلامي لم يبرأ بعد من عقلية كنتاكي والقلة المندسة، وما زلنا للأسف نقبل بهذا الخداع. أرجو من كل من نزل إلى ميدان التحرير ووصف يوماً بأنه يحمل "الأجندة" ويعمل لصالح حماس وإيران وأفغانستان أو حتى كائنات فضائية جاءت لضرب الاستقرار في مصر أن يمعن النظر في الحقيقة، وألا يسمح بتلك العملية الممنهجة لغسيل العقول وتزييف الحقائق أن تنال من نزاهة رؤيته.


أرجو ألا ننسى جميعاً أن الفساد بنية، وليس شخصاً نتخلص منه فتنتهي جميع مشاكلنا. تذكروا أن جميع  رؤساء تحرير الصحف التي تدعى قومية ما زالوا في مواقعهم، تذكروا أن جميع المحافظين بل حتى نائب الرئيس ورئيس ديوان رئيس الجمهورية ما زالوا في أماكنهم، تذكروا أن جميع إجراءات المنع من السفر والتحفظ على الأموال هي إجراءات احترازية لا تعني أي إدانة وأن جميع هؤلاء المسئولين الفاسدين الذين تمتلئ الصحف بأخبارهم الآن قد يحصلوا على صكوك البراءة والغفران بعد أن تهدأ العاصفة، تذكروا أن كل من أحمد عز وإبراهيم سليمان قد خضعوا لتحقيقات مدققة من قبل وحصلوا على البراءة.


ما يسمى بالمطالب الفئوية، على الأقل في أغلبها، هي محاولات محلية جادة لضرب الفساد الذي تغلغلت جذوره في أعماق جميع مؤسسات الدولة. ساعدوا تلك التحركات، وجهوا دفتها ورشدوا جهودها ولكن لا تنعتوها بضيق الأفق.


عمال مصر أكثر وعياً من الكثيرين منا، لم يحرقوا مصنعاً أو يهربوا أموالاً أو يسرقوا مؤسسة واحدة في مصر.  لا تعظوهم بل حاولوا محاولة جادة أن تتفهموا وتعوا آلامهم وأحلامهم وتطلعاتهم.


لا تسمحوا لإعلامنا الفاسد بأن يخدعنا مرتين حتى لا تذهب تضحيات الشهداء سدى وتنطفيء جذوة الثورة.



هناك تعليق واحد:

  1. عزيزي كريم, شكرا جزيلا على هذه التدوينة الرائعة. أنا أوافقك الرأي ان المظاهرات الفئوية مهمة جدا لتطهير البلد من الفساد وايضا كوسيلة ضغط على السلطة. و لكني أرى انها وحدها لن تنجح الثورة وان الراهان عليها كوسيلة ضغط لن يفلح بدون ارساء قواعد وحقوق المواطن. وهذه ليست مجرد كلمات على ورق وإنما من خلال المطالبة بها يتم اقصاء كل من يقفوا ضد هذه الحقوق ليس بالقانون وحده لكن أيضًا من خلال وسائل الضغط الأخرى كالتظاهر من اجلها. أنا أرى أن مشكلتنا هي في ان ننظم العلاقة بين السلطة والمواطن وعلاج هذه المشكلة يجب ان يتم بالمطالبة مباشرة.

    ردحذف