الأحد، 24 يوليو 2011

ملاحظات على هامش موقعة العباسية



أهدي هذه التدوينة إلى الرائعين باسم صبري  @Bassem_Sabry وكريم شافعي @karshaf، والذين قادتني مدوناتهما http://anarabcitizen.blogspot.com و http://karshaf.blogspot.com إلى غواية الكتابة. و أهدي محتوى هذا الموضوع إلى باسم لاستكمال تدونيته عن هذا الموضوع والتكامل معها بهدف إضافة بعض النقاط المتواضعة نحو مخرج عقلاني من المأزق الحالي.
بالرغم من معارضتي المبدئية لمسيرة 23 يوليو 2011 المتوجهة للمجلس العسكري لرفع مطالب الثورة وأهمها سرعة محاكمة أركان النظام السابق وقتلة الشهداء، ثم تراجعي عن ذلك وتأييدي لها ساعة خروجها لما حملته من ناحية العدد والحماس من ملامح فترة يناير، ولكن أكثر ما ساءني لم يكن المشهد الدموي أو حتى خسارة تأييد مواطنين بسطاء من أهل العباسية كان يمكن لهم التصدي لآلاف البلطجية إن اقتنعوا لوهلة بشرعية مطالب المتظاهرين وصدق نواياهم. ما ساءني بشدة هي تعليقات الثوار والعديد من المدونين المعتصمين بعد انتهاء المواجهات والعودة إلى التحرير من نوعية: "إحنا كنا جدعان قوي" أو "إللي حصل ده كان إنتصار لينا" وهي عقلية تعكس حالة من الجمود الفكري العاجز عن استخلاص أي دروس أو عبر مما حدث، او القدرة على النقد الذاتي ومراجعة النفس، بل والأدهى هو العودة والتمترس في التحرير لممارسة نفس النوع من النضال وبنفس الطريقة.


لذلك تأتي أهمية هذه المراجعة ومحاولة تغيير الأساليب الحالية نحو مخرج يضمن تحقيق مطالب الثورة بصورة ناجعة. اسمحوا لي بعرض بعض النقاط التي قد نتفق أو نختلف عليها:


·         هناك حاجة اكبر للتركيز على دور الإعلام الرسمي والحاجة أولا،ً إلى إعطاؤه فرصة لدخول التحرير ومحاولة الثوار التعامل معه بصورة تسمح بتوصيل ولو جزء من وجهة نظرهم، ثانياً، السعي الدؤوب لتطهيره من سيطرة السلطة عليه. والأهم من ذلك هو التركيز على الدور المتواطئ والقذر الذي لعبه الإعلام الخاص وخاصة القنوات التي تدعي تأييد الثورة وتتربح من وراءها، ثم تتجاهل بصورة منسقة وجماعية أي متابعة أو تسجيل مصور للجزء الأول من اندلاع الأحداث برغم العلم المسبق بموعدها ومعرفة الجميع أن الأمور ستتطور لمواجهة حتمية عند العباسية. فعلى سبيل المثال كانت أحد تلك القنوات تعرض برنامجاً عن السياحة في اليونان وقت المسيرة، ثم أدعت بعد ساعات أنها أرسلت طاقماً تم الاعتداء عليه من قبل البلطجية مع أنهم كانت لديهم الفرصة للذهاب قبل اندلاع المواجهات. لا بد من فضح هذا الدور لأنه إن كان للإعلام الرسمي عذر، فتلك القنوات التي لا تكف عن التشدق بالمهنية تتاجر بنا من أجل ساعات من الإعلانات.


·         إذا كنا نلوم الإخوان على سعيهم وراء مقاعد البرلمان، فلا يجب أن يمنعنا ذلك من رؤية أن تلك هي المعركة الحقيقية القادمة والتي نتجاهلها جميعأً. الإخوان برغم إحتقاري لانتهازيتهم، لكنهم يمتلكون قدراً مذهلاً من البرجماتية والحنكة السياسية التي تشكلت عبر عقود، والتي لا نمتلكها نحن كثوار حديثي العهد نسبياً بقواعد اللعبة السياسية. لذا لا أخجل من أن أقول: يجب علينا ان نتعلم من الإخوان. لقد كان مشهد الأمس المتزامن صارخاً وكاشفاً للفارق بين عقليتين: فمن جهة، الثوار يمضون في طريق، "حرفياً" مسدود، وبشجاعة متناهية، إلى مواجهة حتمية معروفة العواقب أدخلتهم في صدام دامي مع الجيش و"الشعب" في غياب أي خطط للتعامل مع هذا الموقف المعروف مسبقأً أو حتى تدبير أي خطط بديلة للهروب، ومن جهة أخرى الأخوان وهم يحتفلون في أحد فنادق القاهرة بتأسيس حزبهم في إطار من الشرعية وفي حضور العديد من الوزراء، وللمفارقة أن يكون على رأسهم وزير الداخلية الذي كانت أحد أهم مطالب الثوار هو إقالته. نجح الإخوان من خلال هذه المفارقة الصارخة في أن يسوقوا للشعب المصري ما يريده بشدة في هذه اللحظة: عمل سياسي في إطار خطة طريق واضحة وتحت حماية الشرعية القائمة يقود إلى الاستقرار المنشود بدون الكثير من الجلبة. والسؤال هنا: ما هي في المقابل الصورة التي رسمها الثوار عن أنفسهم بالأمس؟


·         هنا تأتي أهمية هذه النقطة: عدم ارتباط الثوار بأي من القوى السياسية القديمة والجديدة على الساحة. فلا يوجد حزب سياسي بعينه يمثل أو حتى يتبنى وجهة نظر الثوار ومطالبهم المشروعة بصورة منهجية. قد يحدث تلاقي في بعض النقاط ولكن لم يتبلور ذلك ليصبح إطاراً لمشروع سياسي يمكنه النمو والتطور للتعبير عن مطالب الثورة في الانتخابات القادمة، وبالتالي البرلمان القادم. مرة ثانية، ما أصاب الأمس جميع القوى السياسية والمرشحين الرئاسيين المحتملين (باستثناء بثينة كامل) من صمت مطبق في حالة أشبه بالتنكر ونفض الأيدي عن أي علاقة بالثوار، يعكس عمق هذا الشرخ بين الحركة الثورية من جهة، والحركة السياسية من جهة أخرى. الثوار في حاجة إلى تمثيل سياسي، وذلك يتطلب الحصول على أصوات الغالبية الصامتة التي يرى فيها الآن العديد من الثورا "عدواً" للثورة. بالرغم من أن "أعداء" الثورة المفترضين هؤلاء هم من سيقررون مستقبل مصر من خلال صناديق الاقتراع سواء في حالة البرلمان أو التصويت على الدستور. أبجديات اللعبة السياسية تلك ما زالت غائبة في خطاب الثوار، وكنتيجة لذلك، لا يمكن لأي قوى عاقلة سواء من أحزاب أو مرشحي رئاسة محتملين أن ترتبط (على الأقل في العلن) بالحركة الثورية القائمة، وإلا ستعاقب تلك الأحزاب والمرشحين من خلال صناديق الاقتراع على تلك العلاقة بمجموعة من الثوار الذين يراهم الشعب "كمتهورين" في أفضل الأحوال، إن لم يكن "عملاء وخونة" كما يروج البعض.


الثوار في حاجة إلى تطوير آليات للعمل السياسي تركز على التواصل مع الجماهير وشرح مدى إرتباط أهداف الثورة بتحقيق آمال الشعب كذلك إعطاء الاهتمام الكافي لاحتياجات الشعب العاجلة والملحة، جنباً إلى جنب مع آليات التظاهر والضغط في الشارع والتي لا جدال أعطت الثورة الزخم المطلوب في عديد من مراحلها. ولنا هنا في فييتنام أسوة، فمفاوضو الفيت كونج أثناء مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة لإنهاء القتال لم يتوقفوا لحظة عن حمل السلاح، بل كان السلاح هو جزء أصيل من قوتهم التفاوضية والتي عبروا عنها في عبارتهم: "نحن مثل أعواد البامبو، يمكن أن تكون من القسوة لتقتل، ويمكن لها أن تكون مرنة في الوقت المناسب".


·         وهنا أتي للنقطة الأخيرة، والأصعب في التقبل في إعتقادي الخاص، ألا وهي العلاقة مع الجيش. من أكبر أخطاء الأمس هو الدخول في مواجهة مباشرة مع الجيش وللمرة الأولى من حيث الحجم وفي ذلك التاريخ وذلك لعدة أسباب:


o        أولاً، بالرغم من التسليم بتلاعب المجلس العسكري بمطالب الثورة في العديد من المواقف وإيمان معظمنا بأن المجلس سبب رئيسي في حالة التخبط والضبابية التي نعيشها، إلا أن الثوار أساؤا تقدير مدى ارتباط الشعب المصري بجيشه والصورة الذهنية الجيدة التي يملكها الشعب عنه لعدم انخراطه في أي أعمال عنف، على الأقل واضحة للعيان، ضد الشعب المصري في العصر الحديث. لمست ذلك بنفسي في العديد من المواقف ومنها ما كان في ميدان التحرير نفسه حيث أصاب مجموعة من الشباب الذين التقيتهم بالتحرير الأسبوع الماضي الذهول عند سماعهم أن الجيش قام بعمل كشوف عذرية ولم يستطيعوا تصديق ذلك.


o        ثانياً، للباحث د. عمرو الشوبكي مقال تحليلي رائع بعنوان"أين تكمن قوة الإخوان؟" يطرح فيه قضية أن الأخوان بغض النظر عن مثالبهم هم "صنيعة مصرية خالصة" وهو عنصر يؤدي لافتتان المصريين بهم في مقابل أي قوي ترتبط ولو بصورة ظاهرية أو مزيفة بالخارج. ولا يمكن أن نقول أقل من ذلك عن حالة القوات المسلحة والتي ينظر إليها المصريون، شئنا ام أبينا، كأحد اعمدة الوطنية المصرية. لذلك فالدخول في أي مواجهة مع القوات المسلحة على أرضية "الوطنية" والتلاعب بمشاعر الجماهير هي معركة خاسرة نجح المجلس في استثمارها ضد حركتي 6 إبريل وكفاية خاصة مع عامل التوقيت والذي أشرت له سابقاً. فبالرغم أن رأيي قد لا يعجب الكثيرين وخاصة الليبراليين منهم، ففي رأيي المتواضع أن أغلبية الشعب المصري، وخاصة البسطاء منهم، ما زالوا يدينون بالفضل والتعاطف مع ثورة 23 يوليو. واختيار التوقيت أعاد للأذهان ما حدث للشرطة في 25 يناير وما تناساه الثوار أن العداء التقليدي بين الشعب والشرطة قد يسمح بحدوث مواجهة مع الشرطة في يناير، لكنه لن يسمح بحدوث مواجهة مماثلة، ولو من الناحية الشكلية، بين الشعب والجيش في ذكرى يوليو.


o        ثالثاً، حتى إن سلمنا بأن الشعب استفاق وتضامن مع الثوار في عدائهم للمجلس العسكري (ما زال الشعب لا يفرق بين القوات المسلحة والمجلس العسكري)، فالشعب من وجهة نظر براجماتية بحتة يرى أن القوات المسلحة بحسب قول الكثيرين "العمود الأخير في الخيمة" والمؤسسة الوحيدة المتماسكة بالدولة في الوقت الراهن والتي تضمن عدم انهيار الدولة ودخولها في نفق مظلم، حتى وإن طالتها اتهامات الفساد.


الدولة المصرية تاريخياً دولة مركزية ترنو دائماً إلى رمز للسلطة الحاكمة أو "القوة" ولا يمكن للمصريين تصور الدولة المصرية في حالة سيولة وغياب لمثل هذه السلطة المركزية، حتى وإن أدت تلك السيولة إلى مستقبل أفضل. لذلك فتلك أيضأً معركة خاسرة ندخلها جميعاً ولن تؤدي إلى شيئ سوى المزيد من انتفاض الناس من حول مطالب الثورة.


o        أخيراً، ما الحل في مواجهة المجلس العسكري الذي نتفق معظمنا أنه السبب في التخبط الراهن؟ أعتقد أنه يجب علينا الفصل بين المطالب المشروعة للثورة، والمواجهة المباشرة مع مجلس العسكري لتحقيق تلك المطالب. فبشهادة العديد من الثوار، عند الحديث مع الناس عن تك المطالب المجردة بدون تحويل ذلك إلى مواجهة مع المجلس، يبدأ الناس في الاستماع. فإقالة النائب العام، أو عدالة المحاكمات، أو تطهير الإعلام كلها مطالب يمكن التركيز عليها وبناء رأي عام توافقي حولها دون الدخول في مواجهة خاسرة مع أقوى أطراف الساحة المصرية على مدى عقود.


نحن بحاجة إلى المزيد من الحنكة والعمل السياسي والتخطيط الاستراتيجي لتحقيق أهداف الثورة. فالذي نتناساه من خلال تلك المواجهات هو ان المطلوب هو تحقيق مطالب الثورة، وليس إسقاط المجلس العسكري الذي يرى فيه الكثيرون "القوات المسلحة" بأكملها، والعماد الأخير للدولة. أعتقد أنه آن الوقت لإعادة ترتيب أولوياتنا والتأمل في وسائل أكثر إبداعأً لتحقيقها.


يا سادة، نحن في حاجة إلى وقفة أمينة مع النفس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق